محمد بن الطيب الباقلاني
277
الإنتصار للقرآن
لهذا القول ولا الذي قبله ، ووجب أن يحمل أمر أبيّ في ذلك إن صحّ الخبر عنه على بعض ما قدّمناه ، وإن لم يصحّ فقد كفينا مؤنة تطلّب تأويل له ، وهذا هو الثابت أعني بطلان هذه الرواية عنه وتكذّبها ، وليس يروى ذلك إلا عن ابن سيرين وآخر معه ، أنّهم قد وجدوا مصحفا عند أنس ذكر أنّه مصحف أبيّ ، فيه دعاء القنوت ، ومثل هذا لا يثبت فيه على أبيّ إدخال شيء في القرآن ليس منه . وروى بعض المعتزلة القدرية عن عمرو بن عبيد « 1 » أنّه قال : « رأيت مصحفا كان لأنس بن مالك قرأه على أبيّ بن كعب ، فكان فيه دعاء القنوت » ، وهذا أوهى وأضعف وأولى بالرّدّ من الأول ، قال أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري « 2 » : « وقد رأيت أنا مصحف أنس بالبصرة عند بعض ولد أنس ، فوجدته مساويا لمصحف الجماعة لا يغادر منه شيئا » ، وكان يروى عن ولد أنس عن أنس أنّه خطّ أنس وإملاء أبيّ ، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون ما رواه من ذلك باطلا لما ذكرناه من العادة في بيان القرآن وقلّة شهرة ذلك عن أبيّ ، ومعارضة الأخبار الثابتة لهذه الرواية بأنّ مصحف أنس كان موافقا له ، وشهادة الطّفيل ومحمد ابني أبيّ أنّ عثمان قبض مصحف أبيّ ، فوجب بهذه الجملة وضوح سقوط التعلّل بهذه الرواية ، والاستناد في الطعن في نقل القرآن وإبطال شهرة بيانه ، وظهور نقله ، وحفظ الأمّة لجميعه إلى مثلها والاعتماد عليها .
--> ( 1 ) عمرو بن عبيد بن باب التميمي مولاهم ، أبو عثمان البصري المعتزلي المشهور ، كان عابدا من السابعة ، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة . « التقريب » ( 1 : 740 ) . ( 2 ) ابن أبي بشر ، بن أبي بردة بن صاحب رسول اللّه أبي موسى الأشعري ، إمام أهل السنة والجماعة ، قدوة المتكلّمين وناصر السّنّة ، ولد سنة ستين ومائتين ، وقيل : بقي إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة . « سير أعلام النبلاء » ( 15 : 85 ) .